السيد محمد الصدر

284

تاريخ الغيبة الصغرى

الاعتراضات الاعتراض الأول : إن هذه الأخبار معارضة بما دل على تفاقم الخطب وزيادة الشر كلما تقدم الزمان . فمن ذلك : ما أخرجه البخاري « 1 » عن رسول اللّه ( ص ) أنه قال : اصبروا ! فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه . حتى تلقوا ربكم . والمراد بلقاء اللّه تعالى موت الأفراد ، لا حصول القيامة ، لكي لا يشمل عصر ما بعد الظهور . ولو شمله الاطلاق ، كان مقيدا بالأدلة القطعية الدالة على حصول الرفاه الحقيقي العادل يومئذ . وعلى أي حال ، فتفاقم الخطب ، المستمر خلال عصر الغيبة الكبرى ، ينافي حصول الرفاه فيه . الاعتراض الثاني : إن هذه الأخبار - بشكل عام - منافية مع طبيعة الأشياء ، وفلسفة تسلسل الأمور من أسبابها . فإنه بعد الوضوح وكثرة الأخبار الدالة على وجود الانحراف والفتن والأمراء الكفرة والوزراء الفسقة ، وغير ذلك من الظواهر والحوادث التي سمعناها . . . كيف يمكن أن يكثر المال ويعم الرفاه ويتعدد الأغنياء ، إلى حد يصبح كل أفراد المجتمع المسلم من الموسرين . فان هذا مما لا يمكن أن يتمخض عنه الانحراف ، وما لم تصل إليه أي من النظم والقوانين الوضعية ، ولا يمكن وصولها إليه في المستقبل . . . ما لم ينزل القانون الاسلامي العادل الكامل إلى حيز التنفيذ . ومن الطريف الذي لم نفهم له وجها : ان رواية واحدة للبخاري تقرن بين عدد من الحوادث السيئة المنحرفة وبين كثرة المال ، حيث نراه يقول فيما يقول : وحتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج وهو القتل . وحتى يكثر المال . . . إلى أن يقول : وحتى يتطاول الناس في البنيان .

--> ( 1 ) انظر الصحيح ، ج 9 ، ص 61 - 62 .